الرئيسيةالمقالات

الإصلاح المالي في العراق… طريق لا بديل عنه للاستقرار الاقتصادي

 

بقلم: أ.د. صادق راشد الشمري
باحث واستشاري دولي

يعاني الاقتصاد العراقي منذ سنوات طويلة من اختلالات بنيوية واضحة، في مقدمتها الاعتماد شبه الكامل على النفط كمصدر أساسي لتمويل الموازنة العامة وتغطية النفقات التشغيلية. هذا الاعتماد جعل المالية العامة عرضة للتقلبات الحادة في أسعار النفط، وأدخل البلاد في دوامة من الأزمات المتكررة التي انعكست بشكل مباشر على العجز المالي، وتزايد الديون، واضطراب سعر الصرف، فضلاً عن هشاشة الاستقرار المصرفي.

وفي كل مرة تشهد فيها أسعار النفط ارتفاعاً، تتجه السياسات المالية نحو التوسع في الإنفاق دون رؤية بعيدة المدى، بينما تؤدي أي صدمة نفطية معاكسة إلى أزمات خانقة. هذه الحلقة المفرغة تؤكد أن جوهر المشكلة لا يكمن في النفط بحد ذاته، بل في غياب إصلاح مالي حقيقي وشامل.

اقتصاد ريعي وتحديات مزمنة

الاقتصاد الريعي، كما هو الحال في العراق، يركز على توزيع الإيرادات أكثر من توليدها، ويعتمد على مورد واحد سريع التقلب. ومع ضعف النظام الضريبي، وضيق قاعدته، وارتفاع مستويات الإنفاق غير المنتج، أصبح العجز المالي سمة شبه دائمة في الموازنات السنوية.

إلى جانب ذلك، لا يزال الجهاز المصرفي يعاني من محدودية دوره في تمويل القطاعات الإنتاجية، كالصناعة والزراعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهو ما حرم الاقتصاد من محركات نمو حقيقية وأسهم في تفاقم البطالة وضعف النشاط الاقتصادي.

لماذا أصبح الإصلاح المالي ضرورة؟

لم يعد الإصلاح المالي خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل بات ضرورة وطنية ملحة لضمان الاستقرار الاقتصادي. فالإصلاح يهدف إلى بناء موازنة مرنة، قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وتقليل الاعتماد على النفط، وتحقيق استدامة مالية على المدى الطويل.

ويبدأ هذا المسار من:
• توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل، دون المساس بذوي الدخل المحدود
• مكافحة التهرب الضريبي وتطوير الإدارة المالية
• ترشيد الإنفاق العام وتوجيهه نحو القطاعات الحيوية كالبنية التحتية والتعليم والصحة
• إدارة العجز والدين العام ضمن حدود آمنة

كما أن إنشاء صندوق للاستقرار المالي يمكن أن يشكل صمام أمان للموازنة في فترات تراجع أسعار النفط، بدلاً من اللجوء إلى الاقتراض المكلف.

إصلاح المصارف… حجر الأساس

لا يمكن الحديث عن استقرار مالي حقيقي دون وجود جهاز مصرفي كفوء وقادر. ويتطلب ذلك تعزيز استقلالية البنك المركزي، وتحديث القوانين المصرفية، وحماية أموال المودعين، ومكافحة الفساد المالي، فضلاً عن إعادة هيكلة المصارف الحكومية الكبرى مثل الرافدين والرشيد، بما يمكنها من أداء دورها التنموي.

فالمصارف القوية لا تقتصر وظيفتها على صرف الرواتب، بل تشكل ركيزة أساسية لتمويل الإنتاج وتحفيز الاستثمار.

دروس من التجارب الدولية

تثبت التجارب الدولية، ولا سيما في ماليزيا وسنغافورة، أن الإصلاح المالي ممكن حين تتوافر الإرادة السياسية والرؤية الواضحة. فقد نجحت ماليزيا في تنويع اقتصادها، فيما ركزت سنغافورة على الحوكمة الصارمة وبناء مؤسسات قوية وشفافة.

والخلاصة التي يمكن للعراق الاستفادة منها هي أن التنويع الاقتصادي والحوكمة الرشيدة يشكلان الأساس المتين للاستقرار المالي.

مقترحات عملية للعراق

يتطلب الإصلاح المالي في العراق حزمة خطوات واقعية، من أبرزها:
• تنويع مصادر الدخل عبر دعم الزراعة والصناعة والسياحة والتكنولوجيا
• إنشاء صندوق ثروة سيادي يحفظ حقوق الأجيال القادمة
• دعم القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة
• إعادة هيكلة الإنفاق العام وتقليص الامتيازات غير الضرورية
• خلق فرص عمل مستدامة في القطاع الخاص بدلاً من التوظيف العشوائي

رؤية للمستقبل

يمتلك العراق مقومات كبيرة، من موارد طبيعية وموقع جغرافي استراتيجي وطاقات بشرية شابة. وما يحتاجه اليوم هو إدارة مالية رشيدة، وتكامل حقيقي بين السياسات المالية والنقدية، واستثمار أمثل للغاز والطاقة، وتحويل البلاد إلى مركز تجاري وسياحي إقليمي.

خلاصة

إن الإصلاح المالي في العراق لم يعد ترفاً فكرياً أو شعاراً سياسياً، بل يمثل الطريق الوحيد نحو الاستقرار الاقتصادي، وحماية مستقبل الأجيال القادمة، وبناء دولة قادرة على الصمود أمام الأزمات والتحديات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار